أهالي القرى الحدودية الصامدة: أخرجونا من العزلة

أهالي القرى الحدودية الصامدة:  أخرجونا من العزلة

منذ ما يزيد على ثلاثة أشهر، يعيش سكان القرى الحدودية الذين صمّموا على البقاء في أرضهم، حالة عزلة وحصار شبه تامّين. خاصة تلك الموجودة في القطاع الأوسط، وهي رميش وعين ابل ودبل. بينما ظلت قرى القطاع الشرقي في مرجعيون وحاصبيا على تواصل أيسر مع الداخل اللبناني على الرغم من المخاطر الأمنية التي ترافق تنقلاتهم، والتي بلغت ذروتها مع وفاة طبيب الأسنان جيمس كرم من بلدة القليعة، مع ولديه الشابين الجامعيين على طريق الخردلي، نتيجة استهداف مسيرة إسرائيلية لسيارتهم العائدة من صيدا. ولا شك أن هذه الحادثة ستترك تداعيات وتزيد من عزلة المنطقة.

احدى القوافل في طريقها الى القرى الحدودية
 

ومنذ بداية الحرب الحالية، جرت العادة أن يتم انتقال السكان من وإلى قرى القطاع الأوسط بواسطة مواكب سيارة مسجلة مسبقا بدقة لدى الميكانيزم، إلى أن تأتي الموافقة على تحرّكها. وهذه المواكب تنتقل بمرافقة من القوات الدولية، ثم الجيش اللبناني. وكثيرا ما رافقها السفير البابوي المطران باولو بورجيا. وأهمية هذه القوافل أنها تحمل المساعدات الغذائية والطبية إضافة الى انتقال السكان، كما تحمل المحروقات والطحين والسلع المختلفة للمحال التجارية. غير أن لا انتظام لحركة هذه القوافل، ولا وقت محدد لها، وربما تمر أيام طويلة حتى يسمح لها بالمرور. فمنذ اثني عشر يوما قدمت بلدية رميش طلبا لإحداها، ولم تتلق بعد جوابا على طلبها. 

غير أن المشكلة الأهم تكمن في نقل المرضى إلى المستشفيات، خاصة الحالات الطارئة. فمنذ اسبوع يحاول الصليب الأحمر اللبناني نقل عدد منهم، وقد وصل مرتين إلى منطقة الطيري الساخنة أمنيًّا، واضطر إلى العودة من حيث انطلق. ولهذا ترتفع المناشدات من أهالي هذه القرى لتأمين ممر آمن دائم لهم. 

وآخر هذه المناشدات جاءت أمس، في بيان من أهل رميش، يطلبون فيها بإلحاح السماح لفرق الصليب الأحمر بنقل عدد من المرضى بشكل عاجل إلى مستشفيات بيروت. 

طلاب الجامعات الأكثر تضررا 

 

ولعل من أكثر الذين واجهوا صعوبات هم طلاب الجامعات من هذه القرى، المنتسبين إلى جامعات في بيروت. وهم واجهوا عدة مشكلات مختلفة، كان أولها صعوبة التحاق من كان منهم في قراهم عند اندلاع المعارك بجامعاتهم. والتعثّر المادي الذي وقع به ذووهم، فقسم كبير منهم خسروا أعمالهم ومدّخراتهم المالية نتيجة الحروب المتوالية التي عاشتها منطقتهم منذ عام ٢٠٢٣. فقد توقفت الأعمال الحرّة جميعها، وتقلصت الأعمال الزراعية إلى ما دون النصف نتيجة عدم القدرة على استثمار مساحات واسعة من أرضهم، وإتلاف آلاف النصوب من الأشجار المثمرة، وتدمير عشرات المزارع. كذلك انعدمت أعمال الخدمات من مطاعم ومقاهي وفنادق ووظائف مصرفية وصحية وتعليمية. 

وحرم انقطاع الطرقات، طلاب الجامعات من زيارة أهلهم في قراهم، وهم كانوا اعتادوا على ذلك في العطل الأسبوعية وفي فرص الأعياد. وأهمية هذه الزيارات أنهم كانوا يأخذون معهم مونتهم من الطعام والحاجيات المختلفة، وشعورهم بالعطف الأبوي والإستقرار العاطفي والسلام الداخلي، وهذه من النقاط المهمة التي تعرّضوا لها في الحرب. 

ايزابيل العميل
 

إيزابيل العميل، وهي إحدى الطالبات الجامعيات من بلدة رميش، قالت لـ" كافيين دوت برس" نحن جميعا طلاب الجامعات تعودنا على القيام بزيارة أهلنا في الجنوب. كنا ننتظر هذا الموعد بشوق كبير، فقد كانت فرصة للإلتقاء بالأهل والأقارب والأصدقاء. وكانت لدينا متعة كبيرة أن نحيي احتفالاتنا ومناسباتنا في قرانا. وكنا نجلب معنا الطعام الجاهز لأيام طويلة. كل هذا خسرناه، اضطررنا إلى مغادرة قرانا لئلا نخسر سنتنا الجامعية. نشعر بحزن عميق على فراق أهلنا وأرضنا، وبقلق دائم عليهم. وبسبب الضيق الماديّ الذي وقع به أهلنا، صرنا نفتش عن أعمال نقوم بها لتسديد جزء من القسط الجامعي ومن حاجاتنا المعيشية. ولكن للأسف هي فرص ضئيلة، ويا ليت المؤسسات تفتح لنا أبوابها". 

طالبة أخرى وهي سيلينا ماضي، عكست الحالة النفسية التي يعيشها مختلف الطلاب الحدوديين، فكتبت لـ" كافيين دوت برس": 

"استيقظت نهار الإثنين صباحا، كعادتي في كل يوم، وأنا أستعدّ للذهاب إلى مدرستي الثانوية في عين ابل. فجأة يدخل خالي ويطلب مني أن أستعد للمغادرة سريعا إلى بيروت لأن حربا أخرى قد نشبت. وبالصدفة كان أهلي في بيروت. أول أمر خطر لي لم يكن الحرب، كان الإمتحان الذي سنجريه في ذلك اليوم. فقلت له: كيف يعني؟ والمدرسة؟ والامتحان؟ أجابني: خلص، لم يعد من مدرسة، الحرب بدأت. 

في تلك اللحظة شعرت أن قلبي قد وقع، واستوعبت أننا سنعود ونعيش كل ما عانيناه من قبل. سنترك ضيعتنا، بيتنا، حياتنا، ورفاقنا. قلت له: أنا لا أريد مغادرة قريتي، منذ فترة قصيرة عدنا نتأقلم مع واقعنا بعد الحرب.كنا نحاول أن نعود الى حياتنا  الطبيعية، الى المدرسة، الى ضحكاتنا مع رفاقنا. فجأة جاءت الحرب كأنه لم يكن كافيًا ما مررنا به سابقًا.خرجنا وهناك بدأت أصعب رحلة بحياتي. أمضينا ٢٣ ساعة على الطريق، من الثامنة صباحًا، إلى السابعة من صباح اليوم التالي. رأيت أمورًا لم أكن أتوقع أن أراها يومًا، عائلات تنام في السيارات وعلى جوانب الطرقات، أشخاص لا يدرون إلى أين يتوجهون. سيارات تعطّلت أو فرغت من الوقود. كنت طوال الطريق أطمئن أهلي، مع أني في الحقيقة كنت مرعوبة. 

لما وصلت الى بيروت، شعرت أننا بالحقيقة عدنا نعيش مأساة سابقة. صرت أراسل رفاقي وأسأل عنهم. عدت أشعر بوجع الأطفال وهم يصرخون باكين عند سماع أصوات الإنفجارات والقذائف. وعندما أقول أني اشتقت لعائلتي، لا أقصد والديّ فقط، بل عائلتي الكبيرة، ضيعتي كلها. رفاقي، جيراني، الأشخاص الذين كنت أراهم يوميا، الأماكن التي كبرت فيها. فجأة شعرت أن كل شيء أحبّه، صار بعيدا عني. ثم بدأنا نسمع أخبار الدمار والقتل، وبدأت أشعر أن الخطر يقترب اكثر فأكثر، فصرت أخاف من أبسط الأشياء، إذا انقطع الإرسال، إذا تأخر أحد بالجواب.أصعب شعور نعيشه  هو العجز. وكل ما تستطيع فعله هو الإنتظار، إنتظار خبر يطمئنك، رسالة، اتصال، أحدهم يقول لك أن الجميع بخير. الحرب لا تأخذ البيوت منا فقط، بل تأخذ الشعور بالأمان. أكثر ما بقي في رأسي إن كل شيء حصل في يوم واحد. نمت أفكر في امتحان المدرسة، واستيقظت لأجد نفسي أودع ضيعتي، ولا أعرف متى سأراها مرة ثانية". 

 

اقرأ المزيد من كتابات بيار حبيب