حدا يعطيني ورقة

حدا يعطيني ورقة

في ختام مسرحيّة "المحطّة" للأخوين رحباني، يصل القطار الذي وعدت به وردة (فيروز) الناس، على الرغم من عدم وجود خطوط لسكة الحديد. الذين صدّقوها قطعوا تذاكر، وسافروا بينما هي، زارعة حلم السفر في حقلة البطاطا، بقيت بلا بطاقة. 

تركض وردة نحو الحرامي الذي عيّنته بائع تذاكر (أنطوان كرباج) وتقول له: 

اقطعلي تذكره

الحرامي: ما بقى فيه. انتهوا التذاكر

وتدور وردة على الناس المغادرين تسألهم بلهفة أقرب إلى التسوّل: حدا يعطيني ورقة... حدا يعطيني ورقة... حدا يعطيني ورقة...

***

يعود إليّ هذا المشهد وأنا أراقب نفسي عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ (فيسبوك تحديدًا) أكتب مجّانًا، وأنشر الأغنيات بلا مقابل، وأزرع الأحلام في رؤوس الرجال والنساء وأنسى أنّني لم أترك لنفسي ثمن بطاقة لحضور مسرحيّة أو فيلم.

ليس في هذه الملاحظة أي استجداء. حاشا. ولكنّه مجرّد تساؤل أطرحه عن قيمة الكلمات في فضاء النشر الإكترونيّ. فالطبيب الذي يتابعني على أحد المواقع لن يعاينني مجّانًا، والمحامي المغرم بنصوصي لن يرافع عنّي بلا أتعاب، وصاحبة المتجر التي تعاتبني حين لا أنشر لن تهبني فستانًا أو كنزة مقابل آلاف النصوص التي تحتفظ لي بها في ذاكرة هاتفها. والمسرحيّ لا يعيش إن وزّع على أمثالي بطاقات مجّانيّة وهو الذي يعتاش من عمله.

فأنا إذًا أكتب وأنشر مع معرفتي المسبقة أن لا مردود ماديًّا لما أفعله. 

فلماذا هذا الإدمان؟ ولماذا أنشر مقالات وشذرات لو جمعتها لكان عندي الآن عشرات الكتب في كلّ نوع أدبيّ: مقالة، قصّة قصيرة، رواية، شعر؟ هل لأنّي أعلم يقينًا أنّ الكتابة على فيسبوك بلا مردود كنشر الكتب تمامًا (لولا حفلات التوقيع)؟ 

***

في ختام مسرحيّة المحطّة حذف الأخوان رحباني أغنية وجدا فيها تشاؤمًا، واستعاضوا عنها بأغنية عن الإيمان الساطع... كأنْ ثمّة أمل بأنّ الأيّام ستحمل لبائعي الأحلام مكافأة. فالناس الذين دفعوا ثمن بطاقاتهم لمشاهدة المسرحيّة يستحقّون أن يخرجوا من الصالة وفي رؤوسهم أغنية تقول: 

إيماني ساطع 

يا بحر الليل 

إيماني الشمس/ المدى/ والليل

ما بيتكسّر إيماني

 ولا بيتعب إيماني

إنت اللي ما بتنساني

أما الأغنية الواقعية التي حذفاها فهي الحقيقة التي لم يريدا للناس أن ترافقهم وهم يقفون مصفّقين على محطّة الحلم منتظرين قطارًا يصفر من بعيد. تقول الأغنية:

مرق السفر 

أخد الناس

أخد المطارح والحرّاس 

واللي كتب السفر بقي بلا سفر

وراحوا كلّ الناس

مرق السفر

غيّر اللي كان 

خلق محطّة 

ودّى تران

في ناطر بيسافر

ناطر بيضلّو ناطر

ع محطّات النسيان

زارع الزرع

راسم الطريق

مش إلو الموسم

 ولا إلو الطريق

ولُو...حدا يا خدني معو

اتذكروني

إنتو يللي تركتوني

 اتذكروني

***

تعود إلى ذاكرتي آخر أيّام ريمون جبارة "صانع الأحلام"، ونهاية عاصي وزياد الرحباني ورالف رزق الله وداني بسترس وفادي أبي خليل، وكلّ الذين أعطوا الفنّ في شتّى تجلّياته حياتهم وأعصابهم ومواهبهم وأعمارهم فكافأتهم الحياة بهزائم ونهايات مأساويّة. وهل على الأدباء والفنّانين (من طراز زياد الرحباني مثلًا) أن يتحوّلوا رجال أعمال يحسنون تسويق أعمالهم، وعلى الأديبات والفنّانات أن يتّكئن على راتب وظيفة أو يستندن على مساعدة زوج وإلّا التنازل عن مستوى يستحققن فيه صفات الأدب والفنّ؟

حدا يعطيني ورقة لوتو رابحة، حدا يعطيني بطاقة سفر، حدا يعطيني ثمن طباعة كتاب، حدا يعطيني أصدقاء مخلصين، حدا يعطيني قميصًا أزرق على هيئة رجل، حدا يعطيني بطاقة مسرح، حدا يعطيني وطنًا، حدا يعطيني سببًا لأتابع الكتابة وأبتعد عن كآبة ترافقها ومجّانيّة هي من شروطها في هذين البلد والزمن. 

 

اقرأ المزيد من كتابات ماري القصيفي