عن قانون مقاطعة اسرائيل والجدل البيزنطي
وُضع الكلام عن قانون مقاطعة اسرائيل جانبًا، فهو لم يكن مطروحًا لا في الشكل او في الاساس على جدول اعمال المفاوضات اللبنانية والاسرائيلية الجارية برعاية أميركية. ولم تتخط الموضوعات التي يجري بحثها في واشنطن طلب وقف اطلاق النار وملحقاته لوضع حدًّ لصراع الفِيَلة على ارض لبنان، ووقف التدمير وسقوط الضحايا بلا طائل، والتمهيد لإنسحاب اسرائيل من التمدد، توصلًا الى اتفاق امني بين الدولتين. وقد تقف المفاوضات عند هذا الحدّ، طبقًا لظاهر مجرياتها. واقصى ما يمكن ان تتوصل اليه في المدى البعيد هو احتمال توقيع اتفاق سلام. اما الكلام عن تطبيع فهو غير وارد، وقد أثير في بداية هذه المفاوضات من مناوئيها بهدف العرقلة.
وتُعتبر المرحلة الاصعب من المفاوضات هي الجارية حاليًا كون آفاقها التوصل الى وقف اطلاق نار نهائي. وهو غير المُستطاع راهنًا لأن شروطه غير متوافرة ما دامت الآلة الاسرائيلية آخذة في التدمير.لكن استمرار المفاوضات في اميركا قد تؤدي الى هذا المرتجى ولو بعد حين، ما دام ان ثمة حالة حرب قائمة.وهذا الواقع قد يُفسّر ان لبنان واسرائيل لا يزالان في حالة حرب ، ولو ان هذه الحرب خارجة عن نطاق لبنان الرسمي ويخوضها " حزب الله". لذا لا يمكن الكلام عن اتفاق سلام قبل وقف العمل العسكري على الارض.فالغارات الاسرائيلية استمرت بعد اعلان وقف النار، وصواريخ الحزب تستهدف الاسرائيليين، وإن على الاراضي اللبنانية تحييدًا للضاحية الجنوبية، في انتظار تبلور ما قد ينتج عن المفاوضات التي ستُعقد حولها جلسة رابعة بعد 22 حزيران الجاري، لذا من المبكر جدًا الحديث عن إلغاء قانون مقاطعة اسرائيل الصادر عام 1955، تبعًا لقرار من جامعة الدول العربية. وهو يتضمن تشريعات كسائر الدول العربية ومركز مكتب هذه المقاطعة، ويعنى بالشقّ الاجرائي، في دمشق بعد نقله اليها إثر توقيع مصر اتفاقًا مع اسرائيل عام 1987. وفي لبنان يوجد فرع لمكتب مقاطعة اسرائيل في وزارة الاقتصاد يتضمن قائمة بالممنوعات تجاريًا، وتتولى الاجهزة الامنية الاشراف على تطبيقه.
لقد سبقت صدور قانون مقاطعة إسرائيل اتفاقية الهدنة عام 1949، وركيزتها الاساسية وقف الاعمال العدائية بين لبنان واسرائيل، لتنشأ لاحقًا حرب تموز عام 2006 بين الحزب واسرائيل. استولدت تلك الحرب القرار رقم1701. وهي عادت وأطلت برأسها عام 2023 بحرب الاسناد الاولى في الثامن من تشرين الثاني من ذلك العام ، وحاليًّا تجوب الميدان حرب الاسناد الثانية، وهي الاقسى على لبنان.وثمة شرطان اساسيان من شأنهما ان يمهدا للبحث في إلغاء هذا قانون مقاطعة اسرائيل في تسلسل المنطق القانوني . وهما إنهاء حالة الحرب ووقف الاعمال المسلّحة. وهذان الشرطان تظللهما إتفاقية الهدنة، وانهاء حالة العداء مع اسرائيل. فلبنان وعدد من الدول العربية لا يعترفون بإسرائيل، بخلاف دول عربية اخرى اعترفت بها، بينها وفي شكل من الاشكال فلسطين.واستطرادًا يُفترض ان يأتي إلغاء قانون المقاطعة نتيجة لأحد هذين الامرين او للإثنين معًا، ما يمهّد للحديث عن الغاء قوانين تتصل بإسرائيل لأن ثمة تسلسلًا محكومًا بوجوب حلّه قبل الوصول الى هذه النتيجة. كما ان التوصل الى اتفاق نهائي لوقف النار ليس بالضرورة ان ينهي حالة العداء مع اسرائيل، لأن الاولوية هي لإنهاء حالة الحرب وما يتصل بها من انسحاب اسرائيل من الاراضي التي تمددت بها جنوبًا ،وقدرت بـ 20 في المئة من مساحة لبنان. وهو ما تسعى اليه السلطة اللبنانية من خلال الديبلوماسية وفتح باب التفاوض الدائر في اميركا، ثم هناك حلّ النقاط الخلافية في تثبيت الحدود. كل ذلك يحتاج الى وقت ليأتي بعده الكلام عن كسر الحواجز النفسية فإتفاق سلام . حتى ان هذا المفصل الاخير لا يزال بعيدًا، ويأتي بدوره نتيجة لوقف نهائي للحرب. وتناول هذا القانون من الغائه او عدمه لا يعدو كونه ذرًا للرماد في العيون، وذلك بمعزل عن تباين المذاق الشعبي الذي انهكته الحروب ويريد الخلاص،ووأيضًا بمعزل عن الخطوط التفاوضية الجارية فوق الطاولة من الدولة، وما يُحكى عن قنوات مفتوحة تحت الطاولة من سواها.