المونديال في لبنان: مشجعون واحتفاليّات
لا يقتصر كأس العالم على تسعين دقيقة داخل الملعب، بل يمتد تأثيره إلى تفاصيل الحياة خارجها. فمع كل نسخة من البطولة، تتغير عادات المشجعين، وتُعاد جدولة المواعيد اليومية، وتمتلئ المقاهي والساحات بمتابعي المباريات. وبين الشغف الرياضي والرغبة في الهروب من ضغوط الحياة، يتحول المونديال إلى حدث يترك أثره حتى على أولئك الذين لا يتابعون كرة القدم في شكل دائم.
من الشمال إلى الجنوب، تستعد مناطق لبنانية عدة لاستقبال أجواء كأس العالم 2026. ففي البترون، تُقام فعالية "Batroun Foot City" ، حيث تُنقل جميع مباريات البطولة على شاشة ضخمة تبلغ مساحتها نحو 250 مترًا مربعًا. أما في طرابلس، فتستضيف مدينة المعارض الدولية – معرض رشيد كرامي فعالية World Cup Festival"" المخصصة للمشجعين. وفي حين لم يُعلن عن مناطق مشجّعين رسميّة في جونية أو جبيل، تستعد المقاهي والمطاعم، ولا سيما في منطقة الـATCL وسوق جونية القديم وسوق جبيل القديم، لاستقبال المشجعين طوال فترة البطولة. أما في الجنوب، ورغم الحرب والظروف، تواصل المقاهي في عدد من قرى حاصبيا ومرجعيون والقليعة وبرج الملوك استقبال الراغبين في متابعة المباريات، لتبقى كرة القدم مساحة تجمع الناس حول لحظات مشتركة بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية.
وتقول الصحافية وصانعة المحتوى الرياضي جوال زغيب لـ"كافيين دوت برس": "صحيح أن كوني صحافية يشكّل جزءًا كبيرًا من هويتي، لكن كأس العالم مختلف بالنسبة إليّ. أتابع كرة القدم منذ سنوات وأشاهد أكبر عدد ممكن من المباريات لأنني أحب هذه الرياضة كثيرًا، وقد تعلّقت بها أكثر بعد مونديال 2022. المونديال هو أكبر حدث في عالم كرة القدم، ولا يتكرّر سوى مرة كل أربع سنوات، لذلك لا أريد أن أفوّت أي مباراة. سأشاهد جميع المباريات حتى تلك التي تُقام عند الواحدة والرابعة فجرًا، وسأرتّب أيامي وساعات نومي وفقًا لمواعيدها. عملي لن يتأثر سلبًا، بل على العكس، فالمونديال حدث ضخم يجذب عددًا كبيرًا من الناس، وسأستفيد منه لتقديم أفضل تغطية ممكنة، كما أن معظم المحتوى الذي سأقدمه خلال هذه الفترة سيكون مرتبطًا بالبطولة".

وتتابع زغيب "كأس العالم أكبر من مجرد مباراة كرة قدم. إنه حدث عالمي يفرض حضوره على الجميع تقريبًا. ففي المجال الإعلامي والصحافي مثلًا، لا يمكن تجاهله، لأن جميع وسائل الإعلام تواكب البطولة وتغطيها في شكل مكثف. المونديال مساحة للترفيه والخروج من الواقع لبعض الوقت. الناس تبحث دائمًا عن شيء يمنحها الراحة ويُشعرها بالحماس، ولهذا نراهم يخصّصون وقتًا لمشاهدة المباريات مهما كانت الظروف أو المواعيد. وحتى الأشخاص الذين لا يحبّون كرة القدم أو لا يشعرون بارتباط مباشر بها، يتأثرون بأجواء المونديال بطريقة ما، لأنه أصبح حدثًا اجتماعيًا وثقافيًا يتجاوز حدود الرياضة نفسها". وتختصر علاقتها بالبطولة بعبارة: "مشاعر مكثفة".
أما ستيفن قيومجيان، فيقول "في النسخ السابقة كنت أحرص على مشاهدة أكبر عدد ممكن من المباريات، أما اليوم فأصبح الأمر أصعب بسبب العمل ومواعيد بعض اللقاءات. لكنني سأتابع بالتأكيد المباريات المهمة، خصوصًا من ربع النهائي حتى المباراة النهائية، كذلك فأن المباريات التي تجرى في التاسعة والعاشرة مساءً سأحرص على مشاهدتها".
ويضيف "أحاول دائمًا تحقيق توازن بين العمل وكرة القدم، لكن هناك مباريات لا يمكنني تفويتها. عندما تكون هناك مباراة مهمة جدًا، قد أعيد ترتيب أيام عطلتي أو بعض التزاماتي حتى أتمكن من مشاهدتها. الشغف بكرة القدم لا يزال موجودًا كما كان دائمًا، لكن المسؤوليات أصبحت أكبر".
ويتابع "أفضل متابعة المباريات في المقاهي مع الأصدقاء، خصوصًا في جونية، لأن الأجواء والحماس الجماعي يجعلان التجربة مختلفة تمامًا. مشاهدة مباراة كبيرة وسط مجموعة من المشجعين تمنح شعورًا لا يمكن أن توّفره المشاهدة الفردية في المنزل. أتمنى أن يتمكن كريستيانو رونالدو من الفوز بكأس العالم هذا العام. وإذا خرج من البطولة سأواصل المتابعة بالتأكيد، لكن الحماس لن يكون نفسه. ومع ذلك، يبقى كأس العالم أكبر من أي لاعب، ولذلك سأستمر في متابعة البطولة حتى نهايتها".
وبالنسبة لنانسي يوسف، فتقول إن علاقتها بالمونديال بدأت من خلال شريكها أكثر مما بدأت من خلال اهتمام شخصي بكرة القدم. وتقول "قبل أن أكون معه لم أكن مهتمة بكرة القدم على الإطلاق، ولم أكن أتابع كأس العالم أو أي بطولة أخرى. اما اليوم فأشاهد المباريات من أجله أكثر مما أشاهدها بسبب اهتمامي باللعبة نفسها. أشجع المنتخب الذي يشجعه هو، وأعيش الأجواء معه ومع أصدقائنا، لكن اهتمامي ليس بالمباراة في حدّ ذاتها".
وتتابع "ما يحمسني فعلًا هو رؤية ردود فعله وانفعالاته خلال المباراة، وكذلك أجواء المجموعة التي نشاهد معها. أستمتع بالحماس والاحتفال والتفاعل أكثر من اهتمامي بما يحدث داخل الملعب".
وتؤكد أن ارتباطها بالمونديال مرتبط بشكل مباشر بالأشخاص المحيطين بها، قائلة: "إذا لم يكن يشاهد المباريات، فأنا على الأرجح لن أشاهدها أيضًا".
ولا يقتصر الأمر على الشركاء والأزواج، إذ يجد بعض الأشخاص أنفسهم جزءًا من أجواء المونديال من خلال الأصدقاء والتجمعات الاجتماعية. وتقول جوي أنطون "أنا لا أتابع مباريات كأس العالم عادةً، ولا أهتم بكرة القدم في شكل كبير، لكنني أحرص دائمًا على مشاهدة المباراة النهائية مع أصدقائي حيث يجتمعون لمتابعتها".
وتوضح "عادةً لا أعرف المنتخبات أو تفاصيل الفرق، لذلك أشجع اللاعب المشهور الذي أعرفه أكثر من تشجيعي لمنتخب أو دولة معينة. لذلك، اختياراتي تكون مرتبطة بالأسماء التي أعرفها أكثر من ارتباطها بكرة القدم نفسها".
وتعتبر أن المونديال مناسبة اجتماعية أكثر منه حدثًا رياضيًا، "أذهب من أجل الأجواء، فهي فرصة جميلة للخروج والالتقاء بالأصدقاء وقضاء وقت ممتع. حتى لو لم أكن مهتمة بالمباراة نفسها، أستمتع بالحماس الذي يرافقها وبوجود الجميع في المكان نفسه. بالنسبة إليّ، ما يميّز كأس العالم هو أنه يجمع الناس في مكان واحد ويخلق أجواءً مختلفة لا نعيشها في شكل يومي، ولهذا أشارك في هذه التجربة رغم أنني لا أتابع كرة القدم عادةً".