برّي يفعّل خطّ الرياض لاحتواء شبح الفتنة
شهدت بيروت خلال الأسابيع القليلة الماضية سلسلة من التحوّلات المتسارعة التي عكست بوضوح عمق التعقيد البنيوي الذي يطبع المشهد العام، حيثُ تقاطعت العوامل الداخليّة مع حسابات إقليميّة ودوليّة دقيقة. وقد شكّل"الأربعاء الأسود" محطة مفصليّة، لكونه أعاد تسليط الضوء على هشاشة التوازنات القائمة، ودفع بالواقع اللبناني إلى حافة صراع يتراوح بين احتواء مدروس للتوتر، أو الانزلاق نحو مسار تصعيدي أوسع قد يصعب ضبط إيقاعه.
في هذا الإطار المضطرب، برزت زيارة عضو "كتلة التنمية والتحرير"، النائب علي حسن خليل، إلى المملكة العربية السعودية موفدًا من رئيس مجلس النواب نبيه بري، كحدث يحمل أبعادًا خصوصًا في هذه المرحلة المعقدة، بحيث اكتسبت هذه الخطوة أهميّة إضافيّة لكونها أتت في أعقاب اللقاء الذي عُقد في واشنطن، ما منحها طابعًا تقاطعيًا بين المسارات المحلية والدولية. وفي قراءة أولية، تلقّف جزء من الشارع الشيعي هذه الزيارة كإشارة إيجابية، تنطوي على احتمال إعادة فتح قنوات التواصل مع العمق العربي، بما قد يفضي إلى تخفيف الضغوط الاجتماعية والأمنيّة المتراكمة على هذه البيئة، خصوصًا في ظل الانكماش الحاد.
غير أنّ هذه المقاربة لم تحظ بإجماع داخل الأوساط السياسيّة، إذ قدّمت مصادر مقرّبة من "حزب الله" تفسيرًا مختلفًا، ربطت فيه الزيارة بسياق أوسع من الحراك الدبلوماسي الإقليمي، ولا سيما التواصل القائم بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي. ويعكس هذا التفسير، وفق تلك المصادر، وجود تقاطع مصالح إقليمي حول ضرورة احتواء التصعيد ومنع توسعه، في ظل حساسية المرحلة الراهنة.
في المقابل، تشير مصادر متابعة لحراك برّي إلى أنّ العلاقة بين الرياض وعين التينة لم تنقطع يومًا، بل حافظت على مستوى من التواصل المستمر، وإن اتّسم أحيانًا بالهدوء أو الابتعاد عن الأضواء. وبناءً عليه، تندرج زيارة خليل ضمن إطار تنسيق سياسي قائم وممتد، أكثر مما هي استجابة ظرفية أو نتيجة مباشرة لوساطة إقليمية، وهو ما يعزّز فرضيّة أنّ لبنان لا يزال يحتفظ بهوامش حركة ضمن شبكة علاقاته العربية، رغم التعقيدات المحيطة به.
وعلى الصعيد الداخلي، ووفقًا للمصادر نفسها، تكتسب هذه الزيارة بُعدًا إضافيًا لا يقلّ أهميّة عن أبعادها الإقليميّة، تتمثّل في مساعي احتواء حالة الاحتقان المذهبي المتصاعد، ولا سيّما بين الطائفتين الشيعيّة والسنيّة، إذ شهد المشهد الداخلي توترًا ملحوظًا عقب التظاهرات التي نظمها مناصرو "حزب الله" أمام مبنى السراي الحكومي الخميس الماضي، وما رافقها من تداعيات سياسيّة وإعلاميّة أثارت نقاشًا واسعًا حول حدود التعبير الاحتجاجي وضبط الشارع.
وقد تلا ذلك صدور بيانات عن كلّ من حركة "أمل" و"حزب الله" دانت فيها تلك التحركات، في محاولة لاحتواء التداعيات وتطويقها ومنع توسّع رقعة التوتر.
بعد هذه الأحداث وتداركاً للوضع الداخلي، ألغى رئيس مجلس الوزراء، نوّاف سلام زيارته المقررة إلى واشنطن، والتي كانت مقررة يوم الجمعة، في دلالة على حجم الاحتقان المذهبي والتداعيات السياسيّة التي فرضتها التطورات الميدانيّة، وما استتبعته من إعادة ترتيب للأولويات الدبلوماسية.
وترى المصادر أنّ توظيف القنوات الإقليميّة، ولا سيما عبر المملكة العربية السعودية، يأتي في إطار مقاربة تهدف إلى تطويق تداعيات الشارع ومنع تمددها، خصوصًا بعد مؤشرات على احتمال توسع التحركات الشعبية. وفي هذا الإطار، يُقرأ التحرك المرتبط ببري بوصفه محاولة لخفض منسوب التوتر الداخلي وإعادة تثبيت خطوط التهدئة، بما يعكس، وفق المصادر، حرصًا على تفادي أي انزلاق أمني والعمل على امتصاص تداعيات المرحلة بأقل قدر ممكن من الخسائر السياسيّة والأمنيّة.
أمّا على مستوى التوازنات الإقليمية، فتوضح المصادر أنّ المسارات التفاوضيّة الأساسيّة لا تزال تُدار إلى حدّ كبير خارج الإطار العربي المباشر، في ظل رعاية واشنطن للمفاوضات اللبنانيّة–الإسرائيليّة، بالتوازي مع أدوار غير مباشرة تضطلع بها بعض الدول لتسهيل قنوات التفاهم بين أميركا وإيران. وفي هذا السياق، برزت مبادرة الرئيس الاميركي دونالد ترامب تقضي بطلب وقف إطلاق النار في لبنان لمدة أسبوع، في خطوة يمكن قراءتها كمحاولة لاختبار النيات وفتح نافذة تهدئة مرحلية، قد تُبنى عليها تفاهمات أوسع لاحقًا. غير أنّ هذا الطرح لا يزال قيد الدراسة من قبل الجانب الإسرائيلي، الذي يُخضعه لحساباته الميدانية والاستراتيجية، ما يُبقي المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، في انتظار ما ستؤول إليه الاتصالات الجارية خلف الكواليس.