بيروت تُعيد رسم خريطتها السياسيّة في أيّار
مع الكلام عن تثبيت موعد الانتخابات النيابيّة في شهر أيار المقبل، عاد المشهد السياسي البيروتي إلى الواجهة بقوّة، كمدينة لا تعرف السكون حين تدقّ ساعة الاستحقاقات الكبرى. فقد ضخّ هذا الكلام ديناميّة جديدة في عروق العاصمة، محرّكًا الماكينات الانتخابيّة بوتيرة متسارعة، ومطلقًا سباقًا محمومًا بين القوى السياسيّة لاستقطاب المفاتيح الانتخابيّة ورسم خرائط نفوذ جديدة، في ظل واقع سياسي يتّسم بتشظّي التحالفات وضبابيّة الخيارات وعدم اليقين حيال مآلات المعركة.
ولا يقتصر هذا الحراك المتسارع على الإطار العام للمشهد السياسي فحسب، إنّما ينسحب مباشرة على الدوائر البيروتيّة بكل خصوصياتها الطائفيّة والسياسيّة. فبيروت، المنقسمة انتخابيًا إلى دائرتين، تتحوّل مع اقتراب موعد الاستحقاق إلى مسرح مفتوح لتقاطع الحسابات المحلية مع الرهانات الوطنية، حيثُ تختلف طبيعة المعركة من دائرة إلى أخرى، وتتباين التحالفات تبعًا لتركيبة الناخبين وحسابات الحواصل والأصوات التفضيليّة. ومن هنا، تبرز دائرة بيروت الأولى كنموذج أولي لهذا التعقيد، بما تحمله من تنافس حاد على الأحجام وتموضع القوى الأساسيّة.
ففي دائرة بيروت الأولى، لا تزال صورة التحالفات غير مكتملة، على الرغم من المساعي القائمة بين حزبي "القوات اللبنانيّة" و"الكتائب" لتوحيد الجهود انتخابيًا. إلاّ أنّ هذا التنسيق لم يبلغ بعد مرحلة الحسم، في ظل تريّث النائب نديم الجميّل بين خيار الانضمام إلى لائحة مدعومة من المصرفي أنطون الصحناوي، أو خوض المعركة عبر لائحة "القوّات" وهو خيار يحمل في طيّاته حسابات دقيقة تتعلق بالحاصل الانتخابي وتوزيع الأصوات التفضيليّة. وبصرف النظر عن ذلك، فإنّ معراب لن تمنح الصوت التفضيلي للمرشح الماروني على لائحتها إذا اختار الجميّل الترشح على لائحة الصحناوي، احترامًا لتاريخها السياسي، وحرصًا على عدم انتزاع اسم الجميّل من نسيج الأشرفيّة، لما يحمله من دلالة تاريخيّة ورمزيّة خاصة.
في المقابل، يظهر النائب غسان حاصباني ثابتًا في ترشحه عن المقعد الأرثوذكسي، مع احتمال استبدال النائب جهاد بقرادوني بشخصيّة أرمنيّة أخرى، في ضوء توجّه الأخير إلى التركيز على فريق "الحكمة"، من دون أن يكون هذا الخيار قد حُسم نهائيًا بعد. كما يُسجّل ترشيح المحامي إيلي شربشي عن مقعد الاقليّات، في إطار محاولة استقطاب الصوت السرياني ضمن معادلة تنافسية دقيقة.
أمّا "التيّار الوطني الحرّ"، فيخوض المعركة وفق استراتيجيته التقليديّة القائمة على طرح أكثر من اسم قبل اتخاذ القرار النهائي، حيثُ يبرز اسما نائب رئيس "التيار" ناجي حايك والنائب نقولا الصحناوي كمرشحين محتملين عن المقعدين الماروني والكاثوليكي، في انتظار بلورة الخيار الذي يحقق أفضل توازن بين الحضور الحزبي والحاصل الانتخابي.
وبموازاة ذلك، يتحضّر رجل الأعمال أنطون الصحناوي لإطلاق لائحة ذات طابع سيادي، مع تثبيت ترشيح النائب جان طالوزيان، فيما تستعد النائبة بولا يعقوبيان لخوض المعركة عبر لائحة مستقلّة خاصة بها. ورغم أنّ حظوظ يعقوبيان كانت مريحة نسبيًا في مرحلة سابقة، إلاّ أنّ احتمال دخول رئيس نادي "الهومنتمن" والموسيقي غي مانوكيان على خط الترشّح قد يبدّل المعادلات، نظرًا الى ما يتمتع به من حضور شعبي ورياضي وشبابي واسع، قادر على إعادة توزيع الأصوات داخل البيئة الأرمنيّة وخارجها.
ومع انتهاء ملامح المشهد في بيروت الأولى، تنتقل الديناميكيّة السياسيّة إلى بيروت الثانية، حيثُ تتوسع رقعة المعركة وتتعاظم تبعاتها على المشهد الوطني. فهنا تتشابك الحسابات السياسيّة والطائفيّة والعائليّة في معركة محتدمة على 11 مقعدًا نيابيًا، وسط غياب خريطة تحالفات نهائيّة، في انتظار تبلور موقف الرئيس سعد الحريري، وما قد يرافقه من انعكاسات مباشرة على المزاج السنيّ في العاصمة، فضلًا عن تأثير الموقف السعودي في هذا السياق
ويبرز في هذا الإطار ترشيح صائب تمام سلام، الساعي إلى الاستثمار في الإرث السياسي لعائلته وإعادة إحياء الحضور السياسي لدار المصيطبة عبر لائحة خاصّة فيه، مع حرص واضح على التموضع ضمن خيارات تحظى بقبول عربي، ولا سيّما سعودي، بما يُتيح له لعب دور توافقي في بيئة سياسيّة شديدة الحساسيّة.
في الجهة المقابلة، يُواصل النائب فؤاد مخزومي تحالفه مع "جمعية المشاريع الإسلاميّة"، في مسعى لتشكيل لائحة قادرة على تحقيق خرق وازن، مدعومة بشخصيات شعبيّة، مع إعادة ترتيب داخليّة تشمل أسماء المرشحين. ويبرز في هذا السياق انفتاح على ضمّ وجوه جديدة، من بينها الصحافي إبراهيم ريحان المرشح عن المقعد الشيعي، مع احتمال استبدال النائب عدنان طرابلسي بأحمد دباغ.
وتميل أصوات الناخبين المسيحيين في الدائرة بمعظمها لصالح مخزومي، نظراً الى علاقاته الممتازة مع "الثناني المسيحي" مع ترجيحات بحجز مقعدين إنجيلي وأرثوذكسي، وسعي "القوات" للفوز بالمقعد الثاني. كما يُرجَّح انضمام النائب الاشتراكي فيصل الصايغ، صاحب الثقل الأبرز في الصوت الدرزي، فيما لا تزال الاتصالات مفتوحة مع عبد اللطيف عيتاني.
في المقابل، يُتوقّع أن تتجه باقي أصوات المسيحيين من التيار الوطني الحرّ إلى النائب إدغار طرابلسي أو إلى غسان سعود في حال ترشحه عن مقعد الاقليّات، في محاولة لحفاظ "التيار" على حدّ أدنى من الحضور داخل الدائرة.
وتواجه "الجماعة الإسلاميّة" تحديًا حقيقيًا في تثبيت موقعها، في ظل تزايد أعداد اللوائح المعارضة في هذه الدائرة، أبرزها لائحة النائب وضّاح الصادق التي تضمّ الناشط السياسي صالح المشنوق والسيّدة تمارا طبّارة، إضافةً إلى شخصيات بارزة من عائلات بيروتيّة معروفة. كما تشكّل لائحة النائب إبراهيم منيمنة، بالتشارك مع النائب ملحم خلف، تحالفًا قوياً نظراً الى استقطاب شخصيات مؤثرة وعائلات بيروتية كبرى. أمّا المرشح سيف دياب، نجل النائب السابق سليم دياب، فلا يزال يدرس خياراته ويبحث عن الفريق الذي سينضمّ إليه.
أمّا "الثنائي الشيعي"، فيدخل الاستحقاق بأعلى درجات الاطمئنان، مع ضمان المقعدين الشيعيين، والسعي إلى توسيع الحضور عبر مقعد مسيحي إضافي، على أن يبقى قرار التسمية النهائي بيد رئيس مجلس النواب نبيه بري، في إطار حسابات دقيقة تتجاوز حدود الدائرة البيروتيّة وتلامس التوازنات الوطنيّة الأوسع.
في المحصّلة، تبدو بيروت مقبلة على واحدة من أكثر المعارك الانتخابيّة تعقيدًا وتقلّبًا منذ اعتماد القانون الحالي، حيثُ تتداخل الحسابات المحليّة بالرهانات الإقليميّة، وتتقاطع الطموحات الفردية مع محاولات استعادة النفوذ أو تكريسه. وبين لوائح قيد التشكّل وتحالفات لم تنضج بعد، تبقى العاصمة ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، في انتظار ما ستفرزه صناديق الاقتراع من توازنات جديدة قد تعيد رسم المشهد السياسي البيروتي لأربع سنوات مقبلة.