في الحرب ناشطون جنوبيّون يدافعون عن الحيوانات
انذارات بالإخلاء، البعض يخلي ويترك وراءه روحه وأحلامه، والبعض الآخر يبقى للاهتمام بمن يحب. وفي وقت ترتفع فيه حصيلة ضحايا الحروب والمآسي الإنسانية التي توجع قلب الإنسان، برزت في الفترة الأخيرة ظاهرة لافتة، تمثّلت في تزايد الاهتمام بالحيوانات الشاردة أو المتروكة أو الجريحة خلال فترة الحرب في الجنوب.
البعض يرى أن التركيز على معاناة الحيوانات في ظل هذا الكمّ من المآسي البشرية أمر ثانوي، إلا أن الحديث عن آلام الحيوان لا ينتقص أبدا من التعاطف مع الإنسان. فالإنسانية قيمة أخلاقية لا تُقاس بهوية الطرف الذي نمنحه تعاطفنا، بل بقدرتنا على إدراك الألم أينما وُجد، والاستجابة له بقدر ما نستطيع.
موقع "كافيين دوت برس" رصد عبر وسائل التواصل بعضًا من هذه الحالات بدءًا بـ "رحمة" التي كان اسمها انعكاسًا حقيقيًا لما تحمله في قلبها من حنان ورحمة. هذه العاملة السريلانكية رفضت النزوح رغم المخاطر، وبقيت في مكانها تكافح يوميًا لإطعام القطط والكلاب التي اعتادت رعايتها، مخصصة جزءًا من راتبها للاهتمام بها وتوفير ما تحتاجه من غذاء وعناية.

وهنا لا بدّ من ذكر الحيوانات الشاردة أيضا التي رحل اصحابها او سقطوا ضحية الاعتداءات الاسرائيلية، فباتت من دون مأوى أو رعاية، وانتشرت مقاطع فيديو لأشخاص سارعوا للاهتمام بها ونقلها إلى أماكن آمنة بعدما فقدت من كان يرعاها. وما الفيديو الذي انتشر لشاب ينتشل أحد الكلاب من مبنى مستهدف إلا خير دليل على أن الإنسانية لا تقتصر على مساعدة البشر فحسب، بل تشمل أيضا الكائنات التي لا تملك صوتًا لتطلب النجدة.
في هذا الاطار تقول الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الحيوان غنى نحفاوي لـ"كافيين دوت برس" ان الحيوانات كانت من أكثر ضحايا الحرب صمتًا ومعاناة. وتشير إلى أن بعض الأشخاص اضطروا إلى ترك حيواناتهم خلفهم خلال النزوح، معتقدين أنهم سيعودون سريعًا وأن الأولوية كانت للنجاة بأرواحهم، مضيفة "الله يعينهم على المأساة التي مرّوا فيها، شي كتير مؤلم".
وتلفت نحفاوي إلى أن هناك من ترك كلابه مربوطة، قائلة "هؤلاء لا أستطيع أن أسامحهم، فقد مات الكثير من تلك الحيوانات لأنها لم تتمكن من تحرير نفسها، أو قضت عطشًا وجوعًا".
وتضيف أن الكارثة كانت أكبر بالنسبة الى المواشي وحيوانات المزارع والدواجن والطيور التي تُركت في الأقفاص، إذ تعذّر على أصحابها نقلها أثناء النزوح. وقد تعرضت بعض المزارع للقصف المباشر، ما أدى إلى نفوق أعداد كبيرة منها، فيما بقيت حيوانات أخرى في مناطق لم تتعرض للقصف، وكان ناشطون يتنقلون لإطعامها ورعايتها، بينما نفق قسم منها بسبب الجوع والعطش.
وتروي نحفاوي إحدى الحوادث التي لا تزال عالقة في ذاكرتها، إذ تمكنت من إنقاذ طائر كناري كان عالقًا داخل قفصه تحت أنقاض أحد المباني في منطقة الأوزاعي، أثناء مشاركتها في عملية لإنقاذ كلب. وتؤكد أن هذه الحادثة ليست سوى مثال واحد لكثير من الحالات المشابهة التي شهدتها خلال الحرب.
وتوضح أن الفاجعة الأكبر طالت القطط والكلاب، إذ نفق بعضها تحت القصف، بينما ماتت أخرى جوعًا أو عطشًا ولجأ قسم منها إلى البراري، في حين تمكن ناشطون من إنقاذ عدد كبير منها ايضا من تحت الأنقاض.
وتشيد نحفاوي بجهود عدد من الناشطين الذين بقوا في المناطق الجنوبية رغم المخاطر، ومن بينهم حسين حمزة وقاسم حيدر وتقول "إن قاسم بقي في الجنوب رغم تعرض منزله للقصف، وهما اليوم يتوليان رعاية الحيوانات التي تركها أصحابها، حيث يؤمنان الطعام لكثير من الحيوانات ويوثقان عملهما عبر الصور والفيديوهات".
وتتابع "شاهدنا هياكل عظمية لحيوانات كثيرة موزعة في القرى الجنوبية، في مشاهد مؤلمة يصعب نسيانها".
وتشيد نحفاوي بدور الجمعيات مثل جمعية Animals Lebanon التي وفّرت أقفاصًا للنازحين لمساعدتهم على اصطحاب حيواناتهم الأليفة خلال النزوح، وساهمت في لمّ شمل العديد من الحيوانات بأصحابها. كذلك جهود جمعية Give me a paw التي نفذت عمليات إنقاذ واسعة في عدد من المناطق وأنقذت أعدادًا كبيرة من الحيوانات.
وتؤكد أن العمل الميداني تم بالتنسيق بين ناشطين وجمعيات عدة، من بينهم الناشط محمد حبلي في صيدا، إضافة إلى فرق الدفاع المدني التي ساهمت في العديد من عمليات الإنقاذ والإغاثة. وتقول "نحن كمجتمع من محبي الحيوانات نضم آلاف الأشخاص، والحيوان هو الكائن الوحيد الذي لا يختلف أحد على محبته. قمنا بما استطعنا القيام به، لكن أكثر ما يؤلمنا أننا لم نتمكن من إنقاذ الجميع".
وتختم نحفاوي حديثها بشكر كل من ساهم في الحدّ من حجم الخسائر، ولا سيما وزير الزراعة نزار الهاني الذي ساعد في نقل أعداد كبيرة من المواشي والمناحل والحيوانات إلى خارج المناطق المستهدفة، كما جمعية BETA وسائر الجهات والأفراد الذين بذلوا جهودًا استثنائية لإنقاذ الحيوانات خلال الحرب.
تكثر الحكايا والقصص ويقول الناشط الجنوبي قاسم حيدر، انه لو اصيب الف مرة لن يتخلى عن حيوان واحد فهو لم يتمكن يوما من تجاهل معاناة الحيوانات، ويضيف "أشعر بالحيوان عندما يجوع ويعطش ولذلك بقيت إلى جانبها خلال الحرب".
ويوضح أن نشاطه لم يقتصر على منطقة واحدة، بل شمل معظم القرى والبلدات الواقعة على امتداد الخط الجنوبي، من صور وشقرا إلى البرج الشمالي والغازية، حيث كان يتنقل في شكل مستمر لإطعام الحيوانات وإنقاذ ما أمكن منها.
ويشير حيدر إلى أن أعدادا كبيرة من الأغنام والأبقار نفقت نتيجة الاستهدافات المباشرة أو بسبب غياب الرعاية بعد نزوح أصحابها، مؤكدا أن حجم الخسائر كان كبيرًا ومؤلمًا.
ويؤكد أن مهمته الأساسية كانت القيام بجولات ميدانية لتأمين الغذاء للحيوانات، ورصد الأضرار التي خلّفها القصف في المزارع ومناطق تواجدها، والعمل على معالجة ما أمكن من المشكلات.
ويختم قائلا "واجبي الإنساني يحتم عليّ الاستمرار في مساعدة هذه الكائنات التي لا تملك القدرة على الدفاع عن نفسها، والموت هو بيد الله وليس بيد العدو أو بيد أي أحد، وسأبقى إلى جانب الحيوانات حتى آخر لحظة من عمري دون خوف من أي تهديد".
وانتقالاً إلى السلاحف البحرية، فقد وُجد من يضحي لأجلها، ومن هذه القصص إصابة الناشطة منى خليل بعد تعرض منزلها في بلدة المنصوري لغارة جوية إسرائيلية. منى التي اختارت البقاء في منزلها المطل على شاطئ المنصوري رغم المخاطر، كرّست حياتها لحماية السلاحف البحرية وأسهمت في إطلاق واحدة من أهمّ المبادرات الفردية لحمايتها في لبنان.


