حرش إهدن : "لوحة ربانية" وفخر الاهدنيين وهويّتهم
"لوحة ربانية رسمها الخالق في لحظة إبداع"، قد تبدو هذه جملة شاعرية للقارئ. لكنها في الحقيقة وصف عفويّ من سايد فرشخ الاهدني الذي عشق إهدن وحرشها، والذي أصبح يشكّل "مساحة راحة" يلجأ إليها كل من يبحث عن الهدوء والسكينة. مساحة تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه وسط حرش ساحر شكّل متنفسًا طبيعيًا للناس ومقصدًا للترفيه.
كل من يُسأل عن حرش إهدن يتحدث وهو يستحضر مشاهد ومناظر نادرة تمرّ في مخيلته دون أن ينتبه إلى تفاصيل كثيرة مهمّة، ومن هذا المنطلق أجرى موقع "كافيين دوت برس" حديثا مع مديرة محمية حرش إهدن المهندسة ساندرا الكوسا سابا التي تشير إلى أنّ المحمية تشكل ملاذًا طبيعيًا ومتنفسًا بيئيًا للزوار، توّفر مساحة هادئة بعيدًا عن ضغوط الحياة والتلوث، وتمنحهم فرصة للاسترخاء والتأمل وممارسة الأنشطة في الهواء الطلق، مما ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية والجسدية، خصوصا مع تزايد الحاجة إلى المساحات الطبيعية.

وتوضح أن المحمية تضمّ مجموعة مميّزة من الأشجار الحرجية، أبرزها أرز لبنان، الشوح القيليقي، اللزاب، القيقب، والسنديان، إضافة إلى أنواع محلية عديدة. وتلعب هذه الأشجار دورًا مهمًا في امتصاص ثاني أكسيد الكربون وإنتاج الأوكسجين، وتنقية الهواء، وحماية التربة من الانجراف، وتنظيم المناخ المحلي، كذلك تشكل موائل طبيعية للعديد من الطيور والكائنات الحية.
وتختم "انّ محمية حرش إهدن تُعدّ من أغنى المناطق الطبيعية في لبنان والشرق الأوسط بالتنوع البيولوجي، إذ تضم مئات الأنواع من النباتات والحيوانات ضمن نظم بيئية جبلية ومتوسطية متنوعة، ما يجعلها مختبرًا طبيعيًا مهمًا للأبحاث العلمية، ووجهة للتعليم البيئي والسياحة المستدامة، وموقعًا أساسيًا للحفاظ على التراث الطبيعي اللبناني".
بين الأشجار والهواء النقي والمشاهد الخلابة، يختبر الزائر في حرش إهدن معنى الراحة الحقيقي، ويشعر بأنّ عبارة "هون السما قريبة" ليست مجرد كلمات، انما واقع يلامسه في كل زاوية من المكان، ، ليصبح الحرش جزءًا من الذاكرة، ومصدر فخر واعتزاز لأهالي إهدن الذين يستحضرونه دائما بكل محبة وانتماء.

ويضيف أن علاقته بالمحمية تجاوزت التوثيق إلى ألفة خاصة، حيث أصبحت بعض الحيوانات تتجاوزه دون خوف، من الذئاب والثعالب إلى الأرانب والخنازير. ومع الوقت، أصبح أيضًا دليلًا يساعد الزوار على استعادة اتجاهاتهم داخل مسارات الحرش، مستفيدًا من خبرته الطويلة ومعرفته الدقيقة بالمكان.
في بعض الأحيان تُكمل العاطفة الحقائق العلمية المثبتة، وهذا ما يعزز الشعور بالراحة والثقة. وفي هذا الاطار يقول سايد فرشخ "ثمة حقيقة علمية تستحق التوقف عندها، وهي أن الأشجار ذات الأوراق الإبرية تأخذ من الفضاء الخارجي الأيونات، منها الإيجابي (+) ومنها السلبي (-) ، فتحتفظ بالأيون السلبي، وعندما يمر شخص بجانبها تبعث إليه الأيونات الإيجابية التي لها دور في إزالة التوتر وتعزيز الشعور بالراحة والارتياح."
ويتابع " حرش إهدن هو راحة للنفس والجسد، بغض النظر عن أن ممارسة المشي في حدّ ذاتها تحسّن الصحة في شكل كبير، أحب المشي والرياضة، وهذا أمر مقدس بالنسبة اليّ. كذلك فأنني شغوف بالتصوير الفوتوغرافي، وأستخدم كاميرات احترافية لتوثيق جمال الطبيعة وسحر تفاصيلها في المحمية".
ويشير الى أنّه يزور المحمية مرتين في الشهر على الأقل، أي بمعدل 24 زيارة سنويًا على مدار الفصول الأربعة، ويقول "لقد أصبح حرش إهدن ملجأً لي وبيتًا ثانيًا؛ ففيه أشعر وكأنّ الأحجار تتكلم، وكأنّ الأشجار تنبض بالحياة والروح".
بالنسبة اليه "يحمل حرش إهدن في طيّاته ذكريات جميلة جدًا، ولذلك أشجع كل شخص مقرّب مني على زيارته في مختلف الفصول، إذ لكل فصل رونقه الخاص، أصلّي كثيرًا في حرش إهدن، وأسبّح الله وأشكره على هذه النعمة العظيمة، وأعتبره جنّة من جنّات عدن، ولوحة ربانية رسمها الخالق في لحظة إبداع".
حبّ إهدن وحرشها لا يحتاج إلى كلمات فهو واضح في عينيها، حاضر في نبرة صوتها، ومتجذر في كل تفصيل من تفاصيلها. ومن هذا الحب العميق تقول ألكسيس فرنجيه إن محميّة حرش إهدن هي المكان الذي تلجأ إليه كلما شعرت بالتعب، حيث تترك همومها عند المدخل وتمضي بين الأشجار باحثة عن السكينة والراحة، وتضيف "اشعر دائما انني أريد ان أبقى اكثر وأمشي لوقت اكبر".وتتابع "عند ذكر إهدن وحرشها أشعر بالراحة تلقائيًا. وعندما أكون في حاجة إلى بعض الهدوء واستعادة الطاقة، أتوجه من زغرتا إلى إهدن لممارسة المشي واستنشاق الهواء النقي. بالنسبة الينا محمية حرش إهدن هي جزء من هويتنا وذاكرتنا وانتمائنا. فهذه الطبيعة الخلابة تشكل جزءًا من شخصيتنا وتراثنا، وتكتسب المحمية أهمية استثنائية لاحتضانها أنواعًا نادرة من النباتات والحيوانات التي لا تتوافر في كثير من الأماكن الأخرى، ما يجعلها ثروة طبيعية فريدة وقطعة عزيزة منّا. وقد أصبحت اليوم مقصدًا للعديد من الزوار من مختلف المناطق اللبنانية ومن خارج لبنان، الذين يقصدونها للاستمتاع بجمال طبيعتها والتعرف إلى غناها البيئي.
إن محمية حرش إهدن ليست مجرد مكان طبيعي، بل هي ذاكرة جماعية لكل زغرتاويّ واهدنيّ، اذ يقول بول عبدالله ان كل شخص يحمل فيها قصة خاصة. وهي قيمة بيئيّة نفتخر بوجودها، وتستحق أن نحافظ عليها ونصونها للأجيال المقبلة. ويشير الى ان كل شخص يزور المحمية يدرك مدى اهميتها وتأثيرها في معالجة التوتر وضغط الحياة اليومي. ويتابع "أزور الحرش في كل فصل، بمعدل يتراوح بين مرتين وثلاث مرات، وكلما سنحت الفرصة، خاصة مع مجموعات ترغب في ممارسة المشي والاستمتاع بالطبيعة، وفي كل مرة أدخل فيها إلى المحمية أشعر بالفرح، وعندما أخرج أقول دائمًا "كم كانت هذه المشية جميلة وهذا المشوار رائعًا."
ويختم "إن الحرش هو جزء من ذاكرة كل من عاش في إهدن؛ فطفولتنا ارتبطت به منذ أيام المدرسة وحتى اليوم. وما زلت أذكر رحلاتنا العائلية الدائمة الى هناك والتي حملت معها الكثير من الذكريات الجميلة".
من جهتها تقول لينا تادروس إن محمية حرش إهدن الطبيعية هي مكانها المفضل للهروب من التوتر وضغط العمل وتعب الحياة اليومية، ففي كل مرة تزورها تعود وكأنها إنسانة جديدة أكثر راحة وطمأنينة.
تحب لينا المشي داخل المحمية والجلوس مع الأصدقاء في جلسة هادئة والاستمتاع بالمناظر الخلابة، وتلتقط صور للطبيعة والأشجار والحيوانات. وتقول إنها في كل زيارة تشعر وكأنها المرة الأولى، إذ يملؤها إحساس بأنّ كل شيء جديد، وتضيف "أول ما بدخل للمحمية بشعر انّي أخدت نفس وبقول خيّ ارتحت."
وتؤكد أنّ "لكل فصل جماله الخاص في المحمية، لذلك تزورها في مختلف الفصول". ومنذ الصغر تربّت لينا على حب الطبيعة والمشي، وهي ذكريات جميلة لا يشعر بها إلا من عاشها"، وتقول إن أجمل أيامها كانت في الحرش، وأن التجربة تكتمل مع أصدقاء يشبهونها في حب المكان، لذلك تدعو أحيانًا أشخاص جدد لمرافقتها، ومع أول زيارة تتكرر الزيارات والأنشطة.
وتختم" محمية حرش إهدن هي جزء من هوية المنطقة وتاريخها، ومصدر فخر واعتزاز لنا".



