حول الوجود والهوية .. وإعانة • صرخة جنوبية
في صلاتنا المسيحية نقول : يا رب لا تدخلنا في التجارب .
ونحن، في القرى الحدودية، لا يولد لنا رضيع إلا ويضطجع في مهد التجارب، وما عليه في كل مرحلة نمو من مراحل حياته، إلا أن يقلّع شوكه بيده، فمرّة ينجو منها، ومرات تدميه في أنحاء مختلفة من جسده المشلّع على كل أصناف العواصف.
أبناء هذه القرى، أيها السادة، ما هم إلا مجموعات من الفلاحين والكادحين البسطاء إلا من انتمائهم الوطني الصادق البريء. فلا هم ساهموا في مؤتمرات دولية لتقسيم المنطقة، ولا هم رسموا خططًا سياسية أو خططوا لمؤامرات سرية، ولا هم زرعوا رياحًا حدودية، إنما هم في كل مرة يحصدون هذه الرياح.
وفي كل مرة يرتفع صليب الوطن، نُسمّر إليه صارخين : يا أبت لم تركتني ؟. و "أبت" ، هذه المرة هما إثنان، الكنيسة والدولة. تُبحّ حناجرنا ونحن ننادي، وتجفّ مآقينا ونحن نضرع، وتيبس عروقنا ونحن نبتهل .. تجحظ عيوننا إلى سراب.
تشبثنا إلى انقطاع النفس، بالبدلة المرقطة كسيماء وجوهنا الملفحة بشمس الحقول، المصبوغة بغبار تراب التبغ. ورحلت البدلة الحبيبة عنا، ولا نلومها. إنما قذفت الرياح برائحة الوطن .. إلا من يطالب لنا بكيس طحين أو صفيحة مازوت أو علبة سردين... نحن، يا أمنا الدولة نريد حضورك بيننا. وإن كنا أرضًا محتلة، فليكن لك عندنا ممثل مسؤول، يأخذ القرار ويتحمل المسؤولية، ويكون صاحب الفصل في كل أمر، ونحن معه وإن عطشنا أو تضورنا جوعًا. تتركون شؤون الناس والعباد لمجالس بلدية أو هيئات محلية لا حول لها ولا قوة، تقبض بأكّفها على نصل السيف وتخشى أن تدميها جراحا.
وطالبنا بطريركيتنا بزائر دائم يقيم في قرانا، ولا يكون مطران صور لئلا تفرغ كرسي المطرانية في مقرها الرئيسي. هذا الزائر المقيم الثابت، يقود شعبه باسم أعلى سلطة كنسية، ويتلقى المسؤولية عن شعبه المتروك لمصيره، ويردّ سهام الإتهامات الجزاف عنهم. إن كان فضل كبير لكهنتنا المقيمين، فمن الأجدى والضروري أن تنتقل هيبة بكركي إلى جانب شعبها جسديا ومكانيا وقرارا مبنيا على وقائع الأرض وضروراتها.
ومع وجود ممثلي السلطة السياسية والروحية يتحمّلون المسؤولية، لا يعود هناك ضجيج حول تصرّف من هنا، وإعانة من هناك، كما يحصل اليوم من تفاهة المساعدة من جمعية كنسية إنجيلية عاملة حتى في لبنان، وقد وصلت إلى القرى دون معرفة مسبقة من أهلها. وقد ضجّت بها المواقع الإخبارية، ولم يعد من همّ للمسؤولين المحليين إلا تبرير ما حصل، ودفع الإتهامات عن أهلنا الصامدين.
فإلى متى يظلّ سكان هذه القرى المسيحية في موقع الدفاع عن اتهامات تطالهم زورا وبهتانا ؟ وهم ما أرادوا ، ولا يريدون إلا سلطة دولتهم وحدها لا شريك لها.
" أبت، لم تركتني " ، أنزلني عن الصليب.