لبنان يدخل لعبة الشروط الكبرى • ايلي الهندي :خمسة مستويات للتفاوض
الدكتور ايلي الهندي
يدخل لبنان فصلًا جديدًا من التعقيدات السياسيّة والأمنيّة، حيثُ تبدو التحركات المرتقبة كمؤشرات أوليّة لمسار تفاوضيّ طويل ومليء بالألغام. فخلف العناوين الدبلوماسيّة، تختبئ أسئلة جوهرية تتعلّق بالسيادة، وسلاح "حزب الله"، وحدود القدرة اللبنانية على فرض سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانيّة.
وبين رهانات التهدئة وحسابات فريق "الممانعة"، يجد لبنان نفسه مجددًا في قلب معادلة دقيقة. وفي هذا الإطار يوضح أستاذ العلاقات الدوليّة ومدير قسم الدراسات الامنية والاستراتيجية في الجامعة الاميركية في الامارات إيلي الهندي، في حديث لـ"كافيين دوت برس"، أنّه لم تُعقد مفاوضات يوم الثلثاء، بل عُقد اجتماع يُعدّ بمثابة اللقاء التحضيري الأوّل من الناحية اللوجيستيّة لمفاوضات محتملة في المرحلة المقبلة. وعليه، سيجري تنسيق واتفاق على مكان وزمان المفاوضات، وكذلك على المواضيع والأجندة الخاصة بها. وفي هذا الاطار، برز تكليف واضح من رئيس الجمهورية جوزف عون للسفيرة اللبنانيّة لدى واشنطن، ندى حمادة معوّض، حدّد فيه الإطار الذي يمكنها التحدث ضمنه، والمواضيع التي لا تدخل ضمن صلاحيّاتها، على أن يتولاها الوفد المفاوض الذي سيُشكّل لاحقاً، والذي من المرجّح حتّى الآن أن يكون برئاسة السفير السابق سيمون كرم.
ويشير إلى وجود ارتباط بين لقاء الثلثاء وما جرى بين واشنطن وإسلام آباد، إلاّ أنّه ارتباط غير مباشر. فإذا فشلت المفاوضات في إسلام آباد في شكل كامل وعاد التصعيد العسكري، فمن المؤكد أنّ إسرائيل لن تكون مستعدة لتقديم تنازلات في لبنان، رغم عدم وجود ترابط مباشر بين المسارين. في المقابل، إذا شهدت الأمور تسهيلًا في إسلام آباد، فمن المرجّح أن يستوحي "حزب الله" من الموقف الإيراني، ما ينعكس في الداخل اللبناني. أمّا الموقف الوحيد الذي لا يتأثر بما يجري في إسلام آباد، فهو موقف الدولة اللبنانية.
مسألة "السلام" معقدّة
ويُشدّد الهندي على أنّ السؤال المطروح في الآونة الأخيرة يتمحور حول حدود ما يمكن أن تبلغه المفاوضات، مذكّرًا بوجود مستويات عدّة: وقف الأعمال العدائيّة، ووقف إطلاق النار، والهدنة، والسلام، والتطبيع، وهي خمسة مستويات متمايزة. وحتى الآن، يعلن لبنان رغبته في التوجه نحو هدنة، دون التطرق إلى سلام كامل، وبالتأكيد دون الحديث عن تطبيع. وبالتالي، فإنّ لبنان لا يكتفي بوقف إطلاق النار، بل يسعى إلى صيغة أكثر استدامة، إلاّ أنّ مسألة السلام لم تُطرح بعد، وشروطها تبدو معقدّة.
ويُضيف أنّ أولى التعقيدات في المرحلة الأولى تتمثل في ما إذا كانت المفاوضات ستشمل كل الملفات قبل وقف إطلاق النار أو بعده، وهو أمر غير محسوم حتى الآن، ويرتبط أيضًا بما ستؤول إليه الأوضاع في إسلام آباد، لافتاً إلى أنّه في حال توقفت الهجمات الإسرائيليّة واتّجه إلى المفاوضات، فإنّ لبنان سيطالب، كما كان موقفه دائمًا، بانسحاب إسرائيل، وضمان حماية الحدود، ووقف الخروقات البحرية والجوية للسيادة اللبنانية. في المقابل، تطالب إسرائيل بأن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤوليّة الكاملة عن السلاح داخل أراضيها، وأن تحتكر الشرعية بيدها، بما في ذلك نزع سلاح "حزب الله"، وضمان عدم انطلاق أي اعتداءات من لبنان نحو إسرائيل وبالتالي هذه المطالب، وفق القانون الدوليّ، تُعد مقبولة إلى حدّ كبير، حتّى في ظل الواقع اللبناني الحالي، إذ إنّ الدولة تبقى مسؤولة عن هذه الالتزامات.
ويُتابع الاستاذ الجامعي أنّ الإشكاليّة الأساسيّة تكمن في قدرة الدولة اللبنانيّة على سحب سلاح "الحزب"، ومدى ثقة إسرائيل بهذه القدرة، لا سيّما بعد إعلان الجيش اللبناني سابقًا خلوّ منطقة جنوب الليطاني من السلاح، ليتبيّن لاحقًا استمرار وجود "حزب الله" هناك، معتبراً أنّ ذلك يمنح إسرائيل ورقة للقول إنّ الدولة غير قادرة على تنفيذ تعهداتها. وفي حال التوصل إلى التزامات جديدة، فمن المرجّح أن تكون مرفقة بضمانات أميركية، وبحضور مباشر، وبآليات أكثر استدامة، بحيث لا تقتصر المسألة على إعلان وجود السلاح، بل تشمل جهدًا ميدانيًا متواصلًا فوق الأرض وتحتها، وداخل المنازل ودور العبادة، للتأكد من خلوّ جنوب الليطاني، بل وعموم الأراضي اللبنانية، من السلاح وقد تختلف المقاربة بين الجنوب والشمال، غير أنّ مبدأ حصر السلاح يجب أن يكون شاملًا.
ويرى أنّ النقطة الثالثة التي قد تُثير إشكاليّة في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تتمثل في مطالبة إسرائيل بإقامة منطقة أمنيّة عازلة في الجنوب، خالية من كل مظاهر الوجود، بما في ذلك السكان والبنى، إضافة إلى منطقة أوسع جنوب الليطاني خالية من السلاح، مشدداً على أنّ هذا الطرح يُعيد إلى الأذهان ترتيبات اتفاق 17 أيار، لا سيما ما يتعلق بنوعية السلاح المسموح به للجيش اللبناني في الجنوب بما لا يهدد أمن إسرائيل. وتبقى هذه الملفات جميعها قابلة للبحث والنقاش.
ويختم الهندي حديثه بالتأكيد على أنّ المفاوضات ستكون طويلة، ولهذا يصرّ لبنان على وقف إطلاق النار خلال مجرياتها، إلاّ أنّ تحقيق ذلك سيضع لبنان تحت ضغط كبير لتنفيذ خطوات عملية مباشرة تُظهر قدرة الدولة وجديتها في نزع سلاح "حزب الله" من الجنوب وبيروت وسائر المناطق. ولكن يبقى السؤال الأهم حول ردود "حزب الله" في الداخل اللبناني، وهو أمر يرتبط إلى حدّ كبير بما ستؤول إليه التطورات في إيران، وبمدى استعداد "الحزب" للتصعيد في مواجهة رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام وهو ما يبقى موضع تساؤل مفتوح.