نسوة ثلاث يخضن معترك الخيزران لرسالة و عدم اندثار التراث

نسوة ثلاث يخضن معترك الخيزران لرسالة و عدم اندثار التراث

عمال يعملون على الخيزران

 نادرًا ما تخوض المرأة معتركًا يدويًا  طُبعت حصريّته في الاذهان بالرجل إعدادًا وانتاجًا وتسويقًا . الاثنان باتا شركاء اليوم في صياغة هذه الحرفة وتشكيلها صلة وصل أساسية بين اليد الحرفية المبدعة وتطويرها  تصميمًا وإتقانًا في قالب مدروس هندسيًا يسبق تنفيذها من الحرفي الذي يُسقطه على هذا النوع من الاثاث التراثي القديم العهد، الذي كاد ان يدخل في أسير  النسيان ويندثر بعدما كان مبنيًا على النظرية في التطبيق، ما يساعده اليوم في تطوير نتاجه وتنويعه رغم أن كل عمله يدوي بعيدًا من الآلة. 

     ثلاث نسوة انهين علومهن الجامعية كل منهن في اختصاص مغاير، بعيد من عالم الخيزران. جمعهن حوله بمبادرة فردية المعهودة باللبناني. وإلتقين على فكرة المشاركة في إنعاش هذه الحرفة وإخراجها في حلّة لبنانية مبنية على العلم والذوق. قبل ستة اعوام راودتهن هذه الفكرة المبنية على روح المغامرة التي ساعدتهن في مواجهة عذابات شق الطريق في بلد مأزوم أمنيًا واقتصاديًا وماليًا تزدحم فيه المخاطر والعوائق من دون ان تحدّ من عزيمتهن، فخضْن هذه التجربة في حماسة وجسدّن هذه الفكرة في محترَف  في الحازمية تتمازج في داخله لوحات مشغولة من قضبان الخيزران المرنة والمتينة في آن . والى جانبها على حدة سلل صغيرة الحجم حوّلنها  الى زينة مصنوعة من القصب اللبناني الذي ينمو على ضفاف الانهر  ممهورة بالنحاس، ما اعاد إحياء  السلة الجبلية في المدينة وجعلنها قيمة مضافة في عالم التصميم الذي يشتهر اللبناني به ولاسيما الازياء منه. 

 

تُجمع النسوة الثلاث جومانا عون وباتريسيا الياس ورومي بجاني على ان الدافع الى هذه المغامرة "رسالة لدعم الحرفي اللبناني والاقتصاد والحفاظ على هذه القيمة التراثية، وألا نخسر ماديًا". هن ركزّن في الاولوية على طمأنة الحرفيين الذين يعملون في المحترَف على تصريف الانتاج  وتأمين غدهم في كسب عيشهم" ، فهم للمرة الاولى يعملون في الخيزرانيات مع نسوة. وبالنسبة اليهن "هذا الهَم بات اليوم من الماضي لأن ركيزتنا الاساسية اننا نعمل جميعًا في تناغم وكعائلة، وثبت لنا مع الوقت ان هذا المبدأ شكّل مع تضافر الجهود اساسًا للنجاح". 

image.png 2.38 MB

عنين بكلمة " جميعًا" كل الفريق العامل في المشغل بدءًا من  " الحرفيين المحترفين مرورًا بـ"الديزاينر" وفريق التسويق والادارة المالية التي هي في عهدة الصبية فاطمة والتي تحاسبنا في الصندوق على المليم ". 

       مهمة شق الطريق "كانت الاصعب في البداية لأننا في فترة ركود اقتصادي ولا نزال. لكن ما خفّف من عبئها حركة التهافت الى المطاعم اللبنانية، حيث كان العرض الاول من مقهى في جبيل طلب 200 كرسي خيزران". ومنه كانت البداية، الى مطاعم اخرى، ومنازل ومشاريع سياحية.واللبناني ذواق في خياره ، وحبّ المبادرة والمغامرة رغم كل الظروف القاتمة. فتحرك نحو الخارج وبادر "في تجهيز  فروع لمطعمه في دول خليجية بهذا العمل اليدوي،ومنها الى جنوب افريقيا وفرنسا". 

شكلت هذه الحرفة اللبنانية عمومًا، الصديقة للبيئة والطبيعة، "مضاربة في سوق الخيزران المُستورد من دول شرق آسيا ماليزيا والفليبين وغيرهما، والذي كان غزا السوق الداخلي، ارتدادًا نحو النتاج اللبناني ، وزاد في انحسار المستورد عامل ارتفاع اسعار المحروقات بفعل الحصار الاميركي المضروب على مضيق هرمز وارتفاع تكلفة النقل في اتجاه لبنان، مثلما اثّر هذا الامر في الداخل اللبناني. فمن جهة انتعشت سوق الخيزران المحلية الصنع، وارتفعت تكلفة هذه المادة الاولية المستوردة من الخارج من جهة اخرى". 

   عرف لبنان حرفة الخيزران خلال حقبة الانتداب البريطاني في المحيط والفرنسي في لبنان، وتوّسع الحرفيّون اللبنانيّون مع مرور الوقت في استعماله من صناعة السلالم النقالة وفتحات السقوف بعد تطويعه بتليينه بالبخار والماء في صناعة الكراسي  واطقم الجلوس داخل المنازل وخارجها وأسرة الاطفال. وراجت صناعته على الساحل اللبناني في طرابلس وصيدا،ليغزو بعدها الكرسي البلاستيكي وتندر حرفة الخيزران تدريجًا، ليعاد احياؤها على ايدي قلّة من الحرفيين اللبنانيين وسط خشية من اندثارها، مع توجه جيل الشباب الى ميادين العمل في مجالات اخرى علمية او  عبر الانترنت والاونلاين. 

لذا كانت الرسالة التي شئنها النسوة الثلاث، الى جانب انهن ربّات منازل، وتمسكّن بإبقاء هذا التراث على قيد الحياة من خلال محترفين في المشغل يتعاملون بدقة وحرص وصبر وإتقان.ومنهم الحرفي العتيق معلم الخيزران قاسم، الذي كان يرفع هيكل كنبة على احدى قدميه ويتعامل معه بتؤدة وهو يدوزن زاوية متفرعة من زوايا كثيرة معقدة فيها. يُخبر انه صرف مع حرفته " اكثر من سبعة عقود، بدأتها في سن مبكرة في العاشرة من عمري. حاولت غير مرة الابتعاد عنها مع تقلب الاحوال في البلاد، وهاجرت من دون ان يطول غيابي لأعود الى حرفتي التي أحبها بعشق. يمتلكني إحساس بالخيزران مثل الذي أكنّه للبشر" ، بينما يستغرق اعداد هذه القطعة "ثلاثة ايام". 

      في الرسالة التي اول من عبر النسوة عنها، الى جانب تعزيز هذا التراث، هي "فتح باب العمل امام العديد من العائلات من طريق  تطوير العمل الحرفي، وتشعّب التحضيرات التي تحاكي نَفَسَ الخيزران. ليشتمل العمل حاليًا على مشاركة العديد من اليد العاملة خارج المحترف ، على نحو 50 عاملًا من نساء ورجال يتوزعون على الاراضي اللبنانية" ويشرن الى ان" التواصل يستمر معهم رغم الظروف المحيطة. كل في مجاله المتآخي مع الخيزران. كالنحاسيات الموائمة لتمغة المصنع على الخيزران ، او حلية bibelot نحاسية تراثية او قاعدة من هذا المعدن لأواني من الزجاج المنفوخ". ويستذكرن في السياق صاحب المحل الوحيد المتبقي في لبنان للزجاج المنفوخ في الجنوب. الى اشكال أخرى خشبية يُعدّها معلم في رأس بعلبك، فنسوة في الجبل والمزرعة يعددن في منازلهن انواعًا من الزينة بأشغال يدوية لتغطي رأساً حديديًّا لمصباح قاعدته خشبية او خيزرانية معدّة لغرفة نوم سريرها مصنوع من هذا النبات، مرفق بخزانة ادراج من الصنف ذاته .والطريف السلّم المتحرك الخفيف الوزن بشكله الجميل المزخرف في قالب متين يشكل وحده لوحة تفوح منها رائحة الخيزران المصنع يدويًا. 

منتجات من الخيزران

     جومانا وباتريسيا ورومي لا يخشين "من الغد على متجرهن، بمقدار ما يقلقهن اندثار هذه الحرفة القائمة على عاتق محترفين متقدمين في السن يندر بينهم الجيل الشبابي."نخطط لإحداث مدرسة خاصة بتعليم العنصر الشبابي حرفة الخيزران لغيابه عنها.ويقتصر اليوم في الغالب  المتقدمين في العمر، لأن الشباب ينصرفون الى اهتمامات اخرى تحاكي العصر والتكنولوجيا، رغم ان هذه الحرفة يمكن ان تؤّمن لهم عيشًا كريمًا على غرار الحرفيين الموجودين واحدهم من الشباب فحسب  يتدرج في هذه المصلحة". 

هن جازفن في مغامرة تأسيس المحترف رغم مزاج الازمات المتنوعة الاوجه في لبنان،واللواتي عايشناها، إسوة بسائر اللبنانيين،وقبلن التحدي واجتزنا هذا الامتحان، وخصوصًا ان اللبناني عرف كيف يتعايش مع  الازمات  المتنوعة على امل الانتهاء من وطأتها. فهل يقدمن على هذا التحدي؟. 

 

اقرأ المزيد من كتابات كلوديت سركيس