واشنطن تتشدّد: لا تمويل للجيش قبل نزع سلاح "حزب الله"
شهد ملف نزع سلاح "حزب الله" تصاعدًا ملحوظًا على سلّم الأولويات الدوليّة، متقدّمًا على حضوره في الأجندة الداخليّة اللبنانيّة. ففي حين لا يزال هذا الملف أسير التعقيدات الأمنيّة المحليّة والتوازنات الدقيقة التي تعيق معالجته ضمن المؤسسات الرسميّة، أخذ في الخارج منحًى أكثر حدّة ووضوحًا، متحوّلًا إلى عنصر ضغط أساسي في الخطاب السياسي الأميركي، مع اتساع دائرة الاهتمام به داخل مراكز القرار.
ويأتي هذا التصعيد نتيجة تراكم أشهر عديدة من التعهّدات غير المنفّذة والقرارات المؤجّلة، الأمر الذي دفع الجهات الدولية إلى مراجعة مقاربتها تجاه لبنان، والانتقال من منطق الدعم غير المشروط إلى سياسة قائمة على ربط المساعدات بالإجراءات العمليّة. وبذلك، لم يعد النقاش يدور حول مبدأ معالجة هذا الملف بحدّ ذاته، إنّما حول توقيت التنفيذ وآلياته، في ظل تصاعد الضغوط السياسيّة والماليّة على الساحة اللبنانيّة.
وأفادت مصادر أميركيّة لـ"كافيين دوت برس" بأنّ تمويل الجيش اللبناني بات موضع مراجعة، في ضوء ما تعتبره هذه الجهات غياب أي خطوات ملموسة من قبل قائد الجيش رودولف هيكل، في ما يتعلّق بملف تسليم السلاح، لافتةً إلى أنّ هنالك قرارات حكومية سابقة، من بينها إعلان بيروت منطقة منزوعة السلاح، لم تتجاوز حتّى الآن إطارها النظري، وبقيت حبرًا على ورق من دون أن تُترجم إلى إجراءات عملية على أرض الواقع.
وترى أنّ هذا الموقف يعكس تحوّلًا تدريجيًا في المزاج السياسي في واشنطن حيال لبنان، حيثُ تراجعت الاستعدادات لتقديم الدعم في ظل ما يُنظر إليه كمراوحة في الملفات الحساسة. ويعبّر ربط المساعدات العسكرية بملف نزع السلاح عن توجّه واضح لاستخدام أدوات الضغط المالي والسياسي لدفع الحكومة والمؤسسة العسكرية نحو اتخاذ خطوات أكثر حسمًا، ما يضع الجيش اللبناني أمام اختبار التنفيذ.
وقد تزامنت هذه المواقف مع تصريحات صادرة عن رئيس لجنة العلاقات الخارجيّة في مجلس الشيوخ، جيم ريش، الذي أكّد مساء الثلاثاء أنّ "آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح "حزب الله" بالكامل، وعلى الحكومة اللبنانية أن تفي بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي"، مشدداً على أنّ "عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروطة قد انتهى".
تعكس هذه المواقف، الصادرة عن شخصيات مؤثرة في المؤسسة التشريعية الأميركيّة، توجّهًا شبه توافقي لإعادة صياغة العلاقة مع لبنان، ليس من منظور أمني فحسب، إنّما أيضًا من زاوية الإصلاحات الاقتصادية البنيوية. وباتت المعادلة المطروحة واضحة: "لا مساعدات من دون إصلاحات، ولا دعم عسكري من دون تعديل في قواعد الاشتباك الداخلية"، ما يضع الحكومة اللبنانية أمام اختبار جدّي لمصداقيتها على الساحة الدوليّة.
وفي موازاة ذلك، كشفت المصادر الأميركيّة ذاتها عن احتمال إدراج شخصيات لبنانيّة بارزة على لوائح العقوبات،(رغم انها ليست المرة الاولى التي يجرى فيها الكلام عن هذه العقوبات) على خلفية اتهامات بعرقلة مسار حصر السلاح. كما أشارت إلى أنّ التطورات الإقليميّة الأخيرة تعكس استخدام الساحة اللبنانية كمنصة لتبادل الرسائل بين القوى المتصارعة، في ظل تداخل الحسابات الإقليميّة، حيث تُستخدم ساحات غير مباشرة للتأثير على مسارات التفاوض دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
وشدّدت على أنّ هذا التطور يندرج ضمن نمط متكرّر في إدارة النزاعات في الشرق الأوسط، حيث تتحول بعض الساحات إلى أدوات ضغط متبادلة بين القوى الكبرى. وضمن هذا السياق، يجد لبنان نفسه مجددًا في موقع المتأثر بتداعيات صراعات تفوق قدرته على التحكم بها، ما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرته على صون سيادته ومنع استخدام أراضيه كورقة تفاوض في ملفات إقليمية معقّدة.